الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
310
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المشركون للحج فقال لهم فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فأخرها آخر المحرم من عام عشرة من الهجرة ، ثم قال : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أي تلك الأشهر الأربعة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فنسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم ، لأن المشركين جمع معرف بلام الجنس وهو من صيغ العموم وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة على التحقيق ، ولذلك قاتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثقيفا في شهر ذي القعدة عقب فتح مكة كما في كتب الصحيح . وأغزى أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام ، وقد أجمع المسلمون على مشروعية الغزو في جميع أشهر السنة يغزون أهل الكتاب وهم أولى بالحرمة في الأشهر الحرم من المشركين . فإن قلت : إذا نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم فما معنى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في خطبة الوداع « إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا » فإن التشبيه يقتضي تقرير حرمة الأشهر . قلت : إن تحريم القتال فيها تبع لتعظيمها وحرمتها وتنزيهها عن وقوع الجرائم والمظالم فيها فالجريمة فيها تعد أعظم منها لو كانت في غيرها . والقتال الظلم محرم في كل وقت ، والقتال لأجل الحق عبادة فنسخ تحريم القتال فيها لذلك وبقيت حرمة الأشهر بالنسبة لبقية الجرائم . وأحسن من هذا أن الآية قررت حرمة القتال في الأشهر الحرم لحكمة تأمين سبل الحج والعمرة ، إذ العمرة أكثرها في رجب ولذلك قال : قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ واستمر ذلك إلى أن أبطل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الحجّ على المشركين في عام حجة أبي بكر بالناس ؛ إذ قد صارت مكة بيد المسلمين ودخل في الإسلام قريش ومعظم قبائل العرب والبقية منعوا من زيارة مكة ، وأن ذلك كان يقتضي إبطال تحريم القتال في الأشهر الحرم ؛ لأن تحريمه فيها لأجل تأمين سبيل الحج والعمرة . وقد تعطل ذلك بالنسبة للمشركين ولم يبق الحج إلّا للمسلمين وهم لا قتال بينهم ، إذ قتال الظلم محرم في كل زمان وقتال الحق يقع في كل وقت ما لم يشغل عنه شاغل مثل الحج ، فتسميته نسخا تسامح ، وإنما هو انتهاء مورد الحكم ، ومثل هذا التسامح في الأسماء معروف في كلام المتقدمين ، ثم أسلم جميع المشركين قبل حجة الوداع وذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حرمة الأشهر الحرم في خطبته ، وقد تعطل حينئذ العمل بحرمة القتال في الأشهر الحرم ، إذ لم يبق مشرك يقصد الحج . فمعنى نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم أن الحاجة إليه قد انقضت كما انتهى مصرف المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة بالإجماع لانقراضهم .